الشيخ محمد الصادقي
189
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
تشريف - إذاً - بمجاز وسواه ، حيث المَجاز هو الحقيقة المُجاز إذ يجوز اللفظ ويعبر منه إلى ما يشابههه . تنزل هذه الآية جواباً عما سأله جماعة من أهل نجران « هل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به ؟ » « 1 » فقد تحمل إجابة وافية قاطعة لأعذار مؤلهي المسيح ومتبنّيه ، ومختلقي انتسال آدم من إنسان أم ارتقاءً من حيوان ! . وذلك التساءل حدث بعد ما كتب النبي صلى الله عليه وآله إلى أهل نجران يدعوهم فيه إلى الإسلام « 2 » . وهنا المماثلة بين آدم والمسيح عليهما السلام ليست إلّا في فقد الأب ، ثم يختص آدم بفقد الأم أيضاً وخلقه رأساً من تراب ، وقد نابت النطفة الرجولية في خلق المسيح مناب اللقاح الرجولي ، أن خلقها اللَّه تعالى دون صلب وألقاها نفخاً إلى رحم البتولة العذراء وكما فصلناه في سورة مريم ، وآدم خلق دونما صلب ورحم أو نطفة ! .
--> ( 1 ) ) . الدر المنثور 2 : 37 - أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العرفي عن ابن عباس من أهل نجران قدموا علىالنبي صلى الله عليه وآله وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا : ما شأنك تذكر صاحبنا قال : من هو ؟ قالوا : عيسى تزعم أنه عبد اللَّه قال : أجل إنه عبد اللَّه قالوا فهل رأيت . . . فجاء جبرئيل فقال : قل لهم إذا أتوك : إن مثل عيسى عند اللَّه كمثل آدم . . . وفيه عن قتادة أنهما نبي اللَّه فسألاه عن عيسى فقالا : كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له فأنزل اللَّه فيه هذه الآية . وفيه أتاه صلى الله عليه وآله منهم أربعة من خيارهم فسألوه ما تقول في عيسى قال : هو عبد اللَّه وروحه وكلمته قالوا هم : لا ولكنه هو اللَّه نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره فهل رأيت إنساناً خلق من غير أب فأنزل اللَّه هذه الآية ( 2 ) . أخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان : بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد رسول اللَّه إلى أسقف نجران إن أسلمتم فإني أحمد اللَّه إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة اللَّه من عبادة العباد ، أدعوكم إلى ولاية اللَّه من ولاية العباد فإن أبيتم فقد أذنتم بحرب والسلام ، فلما قرء الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شر حبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقرأ فقال له الأسقف ما رأيك ؟ فقال شر حبيل : قد علمت ما وعد اللَّه تعالى إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل نبياً وليس لي في النبوة رأي لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلمهم قال مثل قول شر حبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شر حبيل وعبد اللَّه ابنه وحيار بن قنص فيأتوهم بخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فانطلق الوفد حتى أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا : ما تقول في عيسى بن مريم ؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة فأنزل اللَّه هذه الآية إلى « فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ » فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة . . . »